الشيخ محمد رشيد رضا
460
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعدية الافضاء بالى الدال على منتهى الاتصال . وهذا من حسن نزاهة القرآن في التعبير وأدبه العالي في الخطاب ومن الدقة فيه ما ذكره الأستاذ الامام من نكتة التعبير بقوله « بعضكم إلى بعض » أي مع كون الظاهر أن يقول وقد أفضيتم إليهن أو أفضى أحدكم إلى الآخر وهي الإشارة إلى كون كل واحد من الزوجين بمنزلة جزء الآخر وبعضه المتمم لوجوده فكأن بعض الحقيقة كان منفصلا عن بعضها الآخر فوصل اليه بهذا الافضاء واتحد به ثم قال ( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) أي عهدا شديدا موثقا يربطكم بهن أقوى الربط وأحكمه . وقد روى عن قتادة وغيره أن هذا الميثاق هو ما أخذ اللّه للنساء على الرجال بقوله ( 2 : 229 فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) قال وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح فيقال : اللّه عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن باحسان . وعن مجاهد أنه كلمة النكاح أي صيغة العقد التي حلت به المرأة للرجل وقال بعضهم : هو ما أمر اللّه تعالى به الرجال من معاشرتهن بالمعروف كما في الآية التي قبل هذه . وقال الأستاذ الامام . ان هذا الميثاق الذي أخذه النساء من الرجال لا بد أن يكون مناسبا لمعنى الافضاء في كون كل منهما من شؤون الفطرة السليمة وهو ما أشارت اليه الآية الكريمة ( 30 : 21 وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها واخوتها وسائر أهلها والرضا بالاتصال برجل غريب عنها تساهمه السراء والضراء ، فمن آيات اللّه تعالى في هذا الانسان أن تقبل المرأة بالانفصال من أهلها ذوى الغيرة عليها لأجل الاتصال بالغريب تكون زوجا له ويكون زوجا لها تسكن اليه ويسكن إليها ويكون بينهما من المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوى القربى ، فكأنه يقول : ان المرأة لا تقدم على الزوجية وترضى بأن تترك جميع أنصارها واحبائها لأجل زوجها إلا وهي واثقة بأن تكون صلتها به أقوى من كل صلة وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة ، وهذا ميثاق فطرى من أغلظ المواثيق وأشدها إحكاما . وانما يفقه هذا المعنى الانسان الذي يحس إحساس الانسان ، فليتأمل تلك الحالة التي ينشئها اللّه تعالى بين الرجل وامرأته يجد أن